أخر تحديث : الثلاثاء 4 يونيو 2013 - 12:11 مساءً

سر نجاح حكومة “كير ومشار” في الفترة الانتقالية

 

يوهانس موسى فوك

بعد قرار الرئيس الجديد الفريق اول سلفاكير ميارديت، خليفة الراحل المقيم الدكتور جون قرنق دي مبيور، بتعيين الدكتور رياك مشار تينج– نائبا لرئيس حكومة جنوب السودان في أصعب اللحظات التاريخية من مراحل تنفيذ إتفاقية السلام الشامل، بعد ذاك القرار، ساد شعور لدى العديد من الأوساط السياسية في السودان بأن اقليم جنوب السودان سيخطو خطوات عملية في إتجاه- لا مجال فيه للشك- نحو حلم الإستقلال، لأن الواقع السياسي يقول: أن كل من الرئيس الفريق اول سلفاكير ميارديت ونائبه الدكتور رياك مشار تينج ينحدران من مدرسة سياسية واحدة ومرجعية فكرية تحمل “العقيدة الإنفصالية” بنسة لا تقارن مع مواقف غيرهم من قيادي السياسة والجيش في الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان، لدرجة أن موقف كلٍ منهما أصبح لون وشعار للآخر. وهذا ما خلق هواجس وتذمر مفادها: أن هذا التوجه الجديد سيخلق نوعاً من الإنصدام بين رأس القيادة الجديدة في الحزب (كير ومشار) من جهة والقيادات التنظيمية داخل الحركة الشعبية من جهة اخرى. وذلك لوجود عناصر في الحزب لا ينتمى بعضهم في الأصل إلى إقليم جنوب السودان. في ذات الوقت الذي يتمتعون فيه بنفوذ داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان الحاكمة في الجنوب. وعلى سبيل المثال وليس الحصر مالك عقار الذي كان يتقلد وقتها نائبا ثالثا لرئيس الحركة الشعبية، والأستاذ ياسر سعيد عرمان– نائب الأمين العام لقطاع الشمال حينذاك والأمين العام الحالي للحركة الشعبية قطاع الشمال، بالتعاضد مع بعض قياديي الصف الأول والثاني في الجنوب وعلى رأسهم الأمين العام الحالي الأستاذ فاقان اموم اوكيج.

هذا الصدام لربما سيقع بدواعي او رغبة بعض القيادات في فرض هيمنتهم او الدفاع عن أجندتهم كتيار مؤيد لبرنامج ورؤية “السودان الجديد” الذي لا يضع خيار إنفصال جنوب السودان في مقدمة برنامجه الوحدوي. ومن أجل ذلك طفت إلى السطح بعض النوايا، وعلت أصوات تنادي بضرورة التصعيد من لهجة المعارضة رغم وجود الحزب كطرف ثاني في الحكم، وبالتالي مواجهة الحكومة الإتحادية في الخرطوم من أجل ضمان تحقيق ضغوط كبيرة على طرفي الإتفاق لاسيما القيادة العليا المتمثلة في الرئيسين ونائبيهما في كل من الخرطوم وجوبا.

وفي المقابل عمد كير ومشار في التستر على رغبتهما الطامحة في فصل الإقليم عن الشمال، مما دفع الرجلين في تسيير دواليب الحزب نحو الخيار الحتمي (الإنفصال) وتهميش التوجه الرسمي للحركة الشعبية في ظل وجود خيارين نقيضين (الوحدة الطوعية او الإنفصال) يُرجِّح غالبية أعضائه كفة الوحدة الطوعية على الإنفصال.

ورغم محاولات غالبية أعضاء الحزب مراراً وتكراراً إبداء الإمتعاض، والتعبير عنه عبر صب جام غضبهم على الدكتور رياك مشار تينج– نائب رئيس الحزب، محملين إياه مسؤولية إنحراف الحركة الشعبية عن مسار السودان الجديد تجاه الإنفصال شبه المؤكد بسبب الإتفاقيات التي استطاع من خلال المفاوضات والرحلات الماكوكية بين الخرطوم وجوبا من إبرام صفقات مع الطرف الآخر في المؤتمر الوطني. إلا أن الحقيقة التي كان يتفادها هؤلاء القادة هو أن الرئيس سلفاكير ميارديت ليس بمنأى عن تلك السياسات التي فاحت منها روائح “نظرية المؤامرة”. كان أبرز ملامح تفوقهما (كير– مشار) هو اللعب بالوقت وتبني مواقف لا تطرح الحوار في القاعات العامة، وتنفيذ خطة الإنفصال بوتيرة متسارعة وفي منابر مختصرة لا تجد طريقها إلى مجلس تحرير الحركة الشعبية القومي، خشية من ألا تتعرض–خطة الإنفصال- للإجهاض من قبل الأغلبية الساحقة الذين لا يؤيدون إنفصال الجنوب لإنتماء غالبيتهم إلى الشمال كما اسلفتُ الذكر. مع العلم أن كاتب المقال كان مع الخطة قلباً وقالباً.

تُشرِّف ذاكرتى بعض التجارب التي تُبيّن محاولات القوى الأخرى داخل الحزب من بسط سيطرتها على بعض سياسات الحركة والحكومة والتصدي للتحالف الضارب بين الرئيس ونائبه:

(1)  حدث أن المكتب السياسي في آخر إجتماعاته قبل الإنتخابات العامة في جوبا أن ناقش مسألة مشاركة الحركة الشعبية في الإنتخابات، ووافق بكامل عضويته على المشاركة في كل مستويات الحكم بما فيها رئاسة الجمهورية. ومن البديهى أن يكون مُرشَّح الحركة الشعبية لتحرير السودان في رئاسة الجمهورية هو الفريق اول سلفاكير ميارديت وفقا لدستور وأعراف الأحزاب السياسية في السودان.

ووفقا لحسابات الإنفصال، فإن ترشيح كير لرئاسة الجمهورية يُرجِّح كفة الوحدة في كل الأحوال، وقد يقود إلى مواجهات دموية بين الحركة والمؤتمر الوطني في حالة فوزه او الخسارة على حد سواء. وعلى مستوى جنوب السودان قد يفقد الرئيس مقعده في رئاسة الإقليم على حساب أحد الكبار (مشار– ايقا– فاقان). لذلك قرر الرئيس عدم خوض مثل هذه المعركة الخاسرة وفضل أن يفسر مقررات المكتب السياسي بطريقته ويقول في تصريح للرفيق مارتن ماجوت– مدير مكتبه السابق: “أن الفريق سلفاكير ميارديت لا ينوي الترشيح لرئاسة الجمهورية، وأن إجتماع المكتب السياسي الذي عُقد أخيرا بجوبا لم يحدد ترشيح سلفاكير لرئاسة الجمهورية، بل حدد أن الحركة الشعبية ستترشح في كل المقاعد بما فيها رئاسة الجمهورية دون تحديد سلفاكير مرشحا لرئاسة الجمهورية، موضحا بأن الحركة الشعبية يمكن أن تُـرشِّح أي عضو في الحركة لمقاعد رئاسة الجمهورية.”

ولأن هذا التصريح جاء بعد تصريح آخر للدكتور رياك مشار تينج– أكد فيه نفس التصريح، أي أن المكتب السياسي لم يرشح الفريق اول سلفاكير ميارديت مما يؤكد تضامنهما، إضطررنا كمكتب صحفي لنائب رئيس حكومة جنوب السودان من نفيه في بيان حمل توقيعي ونُشر في أغلب الصحف السودانية. بعدها بأيام قليلة رد كل من الرفيق مالك عقار وياسر عرمان وفاقان أموم على تصريح مارتن ماجوت من الولايات المتحدة الأمريكية التي كانوا فيها بمهمة رسمية، وقال نائب رئيس الحركة الشعبية مالك عقار: “أن المجلس التنفيذي للحركة الشعبية في آخر إجتماع له قرر أن يكون رئيس الحركة سلفاكير هو مرشح الحركة لرئاسة الجمهورية في الإنتخابات المقبلة، وأضاف أن القرار تم اتخاذه بحضور رئيس الحركة سلفاكير. وشدد أن المجلس التنفيذي هو أعلى سلطة في الحركة الشعبية وحديثه يعلو على تصريحات المسؤولين الآخرين في المستوى الأدنى. وقال «هناك فرق بين تصريحات منسوبة لتنفيذيين في الحركة وبين قرارات صادرة من مؤسسات الحركة الشعبية العليا»، وأضاف عقار أن كل الترتيبات تجري الآن على أساس أن سلفاكير هو المرشح المقرر من قبل الحركة”.

وإستمر تضارب تصريحات قادة الحركة الشعبية إلى أن حُسِم الأمر بإعلان ياسر عرمان عن رغبته في خوض المعركة والترشح لرئاسة الجمهورية. وهذا ما صادق عليه الحزب بالإجماع.

(2)  في مناسبة أخرى، تبين أن حزب المؤتمر الوطني غير راضٍ بترشيح عرمان لرئاسة الجمهورية،  وكنتُ مرافقاً لسعادة نائب رئيس حكومة جنوب السودان في إجتماع عُقد بوزارة مجلس الوزراء بالخرطوم الساعة السابعة مساءً، حيث لم يستغرق الإجتماع أكثر من 10 دقائق حتى خرج مشار وأشار إلينا بالمغادرة. وعندما سألنا عن سبب هذه السرعة الغير مسبوقة، قال أن الشيخ علي عثمان محمد طه لم يوافق على التفاوض، مكتفياً بالقول: طالما إخترتم ياسر عرمان مرشحا لكم للإنتخابات، فلنوقف كل الحوار وننتظر ما ستسفر عنه الإنتخابات.

في مقابل ذلك قرر (كير ومشار) إلغاء ترشيح ياسر سعيد عرمان وترك أمر إبلاغه إلى إشعار آخر. في الوقت الذي قررا عدم وضع هذه الأجندة في طاولة المكتب السياسي للحركة الشعبية لتحرير السودان. وفي لحظة أكثر إثارة بعد أشهر، قرر الرئيس إرسال نائبه إلى الخرطوم لتبليغ كل قيادات الحركة التنظيمية والتفيذية بالقرار (سحب ياسر عرمان من المنافسة على كرسي الرئاسة). وقتها حدثت المواجهة الكبرى بين الإتجاهين. في بادئ الأمر إعتقد بعض المشاركين في الإجتماع الذي عُقد بمكاتب الحركة الشعبية بالخرطوم أن القرار الذي طالب بسحب ياسر من الإنتخابات ربما من بدعات مشار ولم يكن الرئيس طرفاً فيه، لذلك بادر بعضهم بإجراء إتصالات للتأكد من موقف كير. وبعد إدراكهم أن الرئيس جزء منه قرروا العصيان الجماعي. وفي توجيهات للأمين العام للحركة الشعبية أعلن جميع مرشحي الحركة الشعبية في الشمال الإنسحاب من الإنتخابات على كل المستويات بمن فيهم ياسر سعيد عرمان ضاربين بعرض الحائط توجيهات الرئيس سلفاكير ميارديت الذي دعا لإستمرار كل مرشحي الحزب في المنافسة مع الإحتفاظ بسحب المرشح الرئاسي، لوحده.

في ثنايا هذا الملف، لامناص من إستحضار ثقل الثقة التي كان الرئيس يضعها في نائبه، فقد حدث في مناسبات عديدة إختلاف الرؤى وتضارب المواقف والمصالح بينهما حتى كاد هذا التحالف السري أن ينفضّ وينهار، ولكن ملف إنفصال جنوب السودان كان يطغى دائما على تلك الخلافات المتجذرة حسب إعتقادي. لا أعرف كيف تناسوا خلافاتهما، ربما لإدراكهما أن إنفصال جنوب السودان مطلب شعبي وأحد المصالح العليا للجنوبيين قاطبة، ولا تعلوه مصلحة.

بعد إنفصال جنوب السودان وإعلان أحدث دولة على وجه الأرض، إختفى الإتجاه الآخر المضاد لـ(كير ومشار)، وأصبحت الحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الجنوب) الهول الأكبر الذي يبحث عن عدو. وفي خضم ذلك، فإن سيناريو التحالف السري بين الرئيس ونائبه غير مؤهل لأن يتكرر في ظل هذه الظروف السياسية التي بات الهدف الأسمى لكل الجنوبيين هو البحث عن نظام حكم، وليس عن من يحكم. وكما يقول المثل: النار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله، فإن المشوار نحو ديمقراطية حقيقية لابد أن يمر بمرحلة “الصدام السياسي” والذي يتبنى فيه كل طرف أجندة تخدم مصلحة تيارٍ ما او حزب معين، وبالتالي ضمان الوصول إلى مركز القرار، وتنفيذ خطته التنموية في المجالات السياسية او الاقتصادية لمصلحة البلد نفسه.

ومن أجل هذا، ستشهد الساحة السياسية في جنوب السودان لا سيما من داخل الحركة الشعبية حلبات مجهزة ربما نتابع من خلالها “حلفاء الأمس وجهاً لوجه” في مناظرة سياسية صحية، لا صوت يعلو فيها غير صوت الوعود، ودعوات الطرفين للشعب بالمؤازرة، مع الأخذ في الإعتبار مدى توجس العديد من المتتبعين من أي منافسة قائمة ولو داخل الحزب بين الحليفين السابقين (كير ومشار)، وهذا التوجس مبرر لأن النار التي يشعلها مؤيدو كل طرف لا تنذر بروح تنافسية شريفة بقدرما توحي بما هو أكبر من الإعداد للإنتخابات في عام 2015.

 

أوسمة :